|
أعاني منذ فترة من العزلة والانطواء، ابتعدت عن معظم الناس، كرهت أغلبهم، لا أجيب على أي مكالمة، وهذا الأمر يزعجني جداً فما الحل؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ assma حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،
فإنك أشرت إلى مجموعة من الأمور التي حصلت لك ويمكن تلخيصها بالآتي:
1- العزلة والانطواء عن الناس.
2- عدم الالتفات إلى من يحاول الاتصال بك أو السؤال عنك.
3- الشعور بالكراهية لأغلب الناس.
ثم ختمت ذلك بأن هذا الأمر يزعجك ويقلقك، ولا ريب أن الأمر كما وصفت؛ فإن هذه الحالة التي قد طرأت عليك الظاهر أنها ليست حالة متأصلة فيك، وليست هي موافقة لطبعك، ولكن قد طرأت عليك هذه الحالة فأصبحت وبدون أن يكون لك سيطرة على نفسك ترفضين اللقاء مع الناس وتعتزلينهم بل وربما تبغضين كثيرًا منهم كما أشرت وتشعرين بكراهيتهم، وهذا ليس بالبعيد عن هذه الحالة التي يمكن وصفها بأنها حالة من الكآبة الطارئة، وهذه الحالة التي لديك من الكآبة الطارئة أدى إليها نوع من المواقف التي تعرضت لها، فإن الظاهر من حالك أنك قد تعرضت لعدة مواقف من الناس جعلتك تشعرين بالأسى والحزن، أو بعبارة أخرى تفقدين الثقة في معظمهم، فكراهيتك التي أشرت للناس نابعة من فقدان الثقة فيهم، وهذا كما أشرنا قد يكون بسبب مواقف تعرضت لها، فمن ذلك مثلاً – وهذا على سبيل المثال فقط – أن تتعرضي لموقفٍ من بعض الصديقات الصاحبات التي ترجين أن يكنَّ معك في وقت الشدة والمحنة فإذا بهنَّ يتخلين عنك أو يعاملنك بما لا يليق أو على الأقل يقفن موقفا محايدًا فتجدين أن الأمر بخلاف ذلك، وهذا شائع في أحوال الناس.
ومن ذلك أيضًا ما قد يتعرض له الإنسان في التعاملات الزوجية إن كان متزوجًا، أو إن لم يكن متزوجًا الهم الثقيل الذي ينتج عن عدم الزواج، وإن كان صاحب الذرية الهم الثقيل الذي قد يطرأ عليه من جهة الأولاد، وغير ذلك من الأمور المعلومة، هذا إذا لم يكن هنالك مشاكل أخرى تتعلق بالوظيفة والعمل والتنافس فيها، وغير ذلك مما قد يحصل للإنسان من المشاكل التي تمر بحياته.
فمجموع هذه الأمور يؤدي إلى مثل هذا الذي وصلت إليه، وهو عبارة عن كآبة طارئة نتجت نتيجة مواقف تعرضت لها، وهذه المواقف في الحقيقة أثرت في نفسك، فتركت أثرها السيئ الذي أدى إلى تفكير سلبي جعلك تشعرين بأن السلامة في البعد عن الناس، بل وجعلك تنظرين إلى أن البعد عنهم هو الأولى فكرهت اللقاء مع كثير من الناس، وربما لم تكوني كذلك في أصل طبعك وأصل معاملتك لهم، فهذا هو التفسير القريب لحالتك التي أشرت إليها، مع أننا كنا نود أن تبسطي شيئًا من الأسباب وشيئًا من الأحوال وشيئًا من المشاعر التي لديك حتى تكون الإجابة أكثر وضوحًا وأنسب لحالك.
وأما عن علاج هذا الأمر فهو - بإذن الله - ميسور وهو في متناول يديك لأن حالتك ليست بالحالة الشديدة، بل هي حالة طفيفة من الكآبة التي هي عبارة عن مزيج من الهم والحزن الذي منشؤه في الأصل من القلق والتفكير السلبي.
فعلاج هذا الأمر يكون بخطوات يسيرة فعليك بها؛ فإن فيها خروجك من هذه الأمور بإذن الله عز وجل:
1- البدء بالاستعانة بالله جل وعلا واللجوء إليه، فالجئي إلى ربك وأنزلي شكواك به وبثي حزنك وهمك إليه؛ كما فعل العبد الصالح يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}. وقال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.
2- عليك أن تعدلي من النظرة السلبية، فليس كل الناس يستحقون الكراهية، وليس كلهم قد يغدرون أو قد يوقعون الأذى بالقريب أو قد لا يوفون بالعهود، بل منهم الصالح – كما لا يخفى على نظرك الكريم – ومنهم الطالح ومنهم الطيب ومنهم الخبيث، فأنزلي الناس منازلهم، واعلمي أن من يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم، والإنسان كما قرر أهل العلم مدني بالطبع، أي مدني بحسب طبعه، فلابد له من العشرة ولابد له من مخالطة لهؤلاء الناس، فينبغي أن يعوِّد نفسه على مخالطتهم وأن يغير من نظرته السلبية تجاههم ولكن مع الانتباه إلى الأمر الثالث وهو:
3- أن يكون الإنسان فطنًا ويكون أيضًا حذرًا؛ فإن المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين وغيرهما، ومع ذلك فهو ينظر نظرة متفائلة إلى إخوانه وأخواته المؤمنات، فإذا كان هنالك ما يدعو إلى الحذر فهذا من شيم العقلاء كما لا يخفى على نظرك الكريم، والمقصود أن إنزال الأمور منازلها في التعامل مع الناس هو الأمر الذي يريحك من العناء، فالنظرة العامة للناس قد توقع في الخطأ، فليس كل الناس أسوياء، كما أنهم ليس كلهم بالأشرار الذين لا بد أن يؤخذ جانب البعد عنهم، بل أنزلي الناس منازلهم، وهذا هو الميزان العدل و القسط في هذا الباب، وهذا لا يحتاج من نظرك الكريم إلى أكثر من تأمل فيه وعمل بعد ذلك واقتناء بما يستقر في نفسك منه.
4- الحرص على الترفيه عن نفسك، فأنت بحاجة أن ترفهي عن نفسك بالأمور المباحة المسلية، هنالك النزهة المباحة، هنالك الرياضة الممتعة التي تدخل على نفسك الراحة والطمأنينة وتشعرين بالحيوية عند أدائها، لاسيما رياضة المشي في مثل حالك فإن لها أثرًا عظيمًا في تحسين الوضع وتحسين الشعور بالفرح والأُنس. هنالك لقاء الأخوات الصالحات اللاتي تأنسين بوجودهنَّ بذكر الله عز وجل في حلق الذكر ودروس العلم وتعلم تلاوة كتاب الله عز وجل، لاسيما في شهر رمضان، وهذا يقودك إلى أن تأخذي قاعدة عامة وهي: أن النفس لابد لها من ترويح وإجمام حتى تستمر في السير، مضافًا إلى ذلك أن تنتقلي إلى الخطوة الخامسة وهي:
5- الحرص على الصحبة الصالحة، انتقي صحبة صالحة تجدين فيها الحب الصادق الذي يكون نابعًا من الإيمان، فإن العلاقة بين المسلمة والمسلمة لابد أن تكون في الله، فالحب في الله ولأجل الله هو من أوثق عرى الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه) رواه الترمذي. فهذا أمر لابد أن تحرصي عليه وأن تجعليه دائمًا أمام عينيك.
6- الحرص على أن تكوني منتجة مثمرة، فعليك بأن تبذلي وسعك في الأمور النافعة التي تعينك على الشعور بالعطاء والثمرة، فهنالك سبيل الدعوة إلى الله، وهنالك سبيل القيام بالأنشطة المفيدة، والمشاركة في الأمور النافعة، فحاولي أن تشغلي نفسك بالحق لئلا تشتغل بالهم وتشتغل بالأحزان ولتغلق على الشيطان بابه.
ونود أن تعيدي الكتابة إلى الشبكة الإسلامية بعد أسبوعين لمتابعة هذا الأمر معك، مع التكرم بالإشارة إلى رقم هذه الاستشارة، ونسأل الله لك التوفيق والسداد وأن يشرح صدرك وأن ييسر أمرك.
وبالله التوفيق.
|